الأحد, 17 ماي 2015 23:25

ثورة علي بن غذاهم 1864

كتبه  الخبر التونسية
قيم الموضوع
(3 أصوات)

قادَ علي بن محمد بن غذاهم ثورة أشعلت البلاد التونسية عام 1864. وعلي بن غذاهم هو ثوري تونسي لقب بـباي ‘الشعب‘ وهو أبوه محمد يحل النزاعات وطبيب رعواني مات مسموما من قبل عامل الجهة المسمى العربي البكوش السهيلي ينحدر من أولاد مساهل منعرش ماجر وهي قبيلة بربرية الأصل.و كانالسبب المباشر هو مضاعفة ضريبة الإعانة من36 إلى 72 ريالا تونسيا لأن الباي أراد تغطية المصاريف الباهظة الناتجة عن سوء الإدارة و السرقة خاصة من قبل الوزير الفاسد مصطفى خزنه دار .

 

يوم 10 مارس 1864 وردت برقية من جان ماتيي العون القنصلي لفرنسا بصفاقس تفيد اتفاق القبائل عن الامتناع في دفع ضريبة الإعانة. وأرسل القنصل أن القبائل في حالة هيجان وسخط على الحكومة حتى أن أولاد بوغانم و الفراشيش أغاروا على أولاد يحي القاطنين بالقطر الجزائري.انطلقت الثورة من جبال الظهري وامتدت للجريد ومنطقةالقيروان وانتشرت غرب الكاف وأدركت في شهر أفريل وادي مجردة.

فـفي أقل من شهر كادت أن تعم الثورة كامل البلاد. وكثرت السفن المحملة بالبارود الأنڨليزي الآتية من مالطة رغم تحجير دخوله من السلطات الرسمية وكان أفراد العروش يشترونه من التجار اليهود. وكثرت أيضا القوافل المحملة بالبارود والرصاص والبنادق من مڨارين وكربيلات. ولاذ عمال الباي بالفرار واستولى الثوار على مطامير قمحهم.

وفي جلاص قاد الثورة شخص من “دار كبيرة” يقال له السبوعي بن محمد السبوعي وفي رياح قادها بن دحر. وفي الغرب قادها شخص يعرف الكتابة و القراءة وهو علي بن غذاهم و تحصل على مباركة الزاوية التيجانية اللتي كان لها نفوذ كبير في تلك الأيام. وكان يبلغ هذا الشخص 50 عاما في ذلك العهد وتلقى نصيبا من العلم في جامع الزيتونة.

قبيلته ماجر هي أول من أطلق عليه باي الشعب قبل أن يمتد نفوذه على القبائل المجاورة كـعيّار والفراشيش وونيفة حتى صار الزعيم الأعلى للثوار وهو المفجر الأول للثورة. ولكم مقتطفات من بعض البقيات من القنصل الفرنسي:

”أما بجهة صفاقس فإن المحلة اللتي يقودها سي سليم قد طوقها الثوار… وعلى الحدود التونسية الطرابلسية دارت معركة بين قبيلتي النوايلوورغمة أسفرت عن سقوط 1300 بين قتيل وجريح… ومازالت قطعان الماشية الخاصة بالباي تتعرض للنهب… ومازال الإيالة في حالة غليان… ولم تسلم الضواحي القريبة من الحاضرة التونسية إذأغار الثوار على ضيعة لخزنه دار فبددّوا ما بها وهذا ما حصل لقصر أحد الجنرالات على معنى الإنتقام منه لأنه أمر بقمع الثورة.”

ورجع أغلب العمال إلى قصر باردو فقد حالفهم الحظ في الإفلات من الموت المحتم باستثناء الجنرال فرحات عامل الكاف وأولاد ونيفة الذيقتل في معركة بين تبرسق و الكاف دارت بينه و بين الثوار في 16 أفريل. وفي 20 أفريل استولى الثوار على القيروان. وأما في منطقة الساحل فقد امتدت الثورة للبوادي والقرى وبدأ سكانها في مناوشة المدن حتى أن سوسة اللتي كان بها 5 آلاف عسكري أصبح بها مائتين لاذوا بالفرار. أما المهدية فسلبت في 25 أفريل لأنها بلا سور. وأمام هذه الحالة فقد استدعى الباي وجماعته 3 آلاف من العسكر النظامي المتقاعد اللذين قال في حقهم براودلي: ”انهم أقدر على زرد الصوف منهم على الوقوف في وجه أهل البادية التونسية البواسل. وللحد من روع البلاد أصدر الباي منشورا يجري العمل به مؤقتا في 21 أفريل يقتضي بإلغاء ضريبة المجبى ويوقف العمل بما جاء به عهد الأمان. فيما أرسل الفرنسيون والأنڨليز والإيطاليون سفنا حربية لسواحل الإيالة التونسية لإنقاذ وحراسة الأوربيين. ولاذ بالفرار عدد كبير من الأوربيين معهم عدد آخر من الأتراك من الموظفين محملين بأموال مسروقة نذكر منهم القائد نسيم وهو القابض العام للحكومة التونسية بعد أن سرق 20 مليون ريال.

وفي شهر ماي أصاب الثورة شيء من الركود ولكن كثر التعصب الديني والكراهية للأجانب والمسيحيين وحتى ضد الأتراك رغم أنهم مسلمون. وفي المدن الساحلية تحركت جموع من الغاضبين نحو الأحياء المسيحية فأمعنوا في سلبها ورفضوا سلطة الباي عليهم في خوف منهم لنزول الجيوش الأوربية. فـنـُهـِبت صفاقس في 30 أفريل وهرب الأوربيون الى سفنهم ورفع الثوار فيها العلم الأخضر ونادوا بسقوط الباي وأهانوا مبعوثه وهددوه بالقتل.

وفي سوسة فقد حافظ الكاهية سي أحمد بن عاشور المشهور بحزمه على أمن المدينة مستعينا بالمدفعية وأرسل الباي وزير الحرب محمد خزنه دار لمنطقة الساحل الذي رغم ملاطفته للأهالي فإته لم ينجح سوى في تجنيد بضع العشرات. ولكن يوم 31 ماي سقطت سوسة بيد الثوار وافتكوا مفاتيح القصبة وأبواب المدينة فهرب جميع الأوربيون ورفعوا العلم الأخضر اللذي يرمز للجهاد. وأما سكان المنستيرفـحافظوا على الهدوء وامتنعوا عن دفع الضريبة. وبالنسبةلليهود فالكعادة فإنهم بقوا على الحياد دون أن يدخلوا أنفسهم في الأمر وازدادت مرابيحهم نتيجة بيع السلاح والذخيرة للثوار. ونسجتالمهدية على منوال المنستير.

وڨابس نهبت يوم 28 أفريل. أما جربة فنهبت يوم 3 جوان. ولكنانتهت الثورة بخسارة للثوار بإضعافها بسبب عدم توحدهم أو تنظيمهم. فما أن حلّ الصيف حتى كثرت المنافسات الفرعية بينهموتعددت الغارات بين القبائل وانهكوا نتيجة المعارك اللتي خاضوها ضد قوات الباي. وبدأت القبائل بإلقاء السلاح نتيجة تفشي أخبار المذاكرات اللتي فتحت مع حكومة الباي. وانتهز المستسلمون حالة الفوضى لاشفاء ما في صدورهم من غل نحو جيرانهم من المنافسين لهم. ونذكر أن جماعة من جلاصبطش بها أولاد سعيد إثر إغارتهم على عرش موالي لهؤلاء الآخرين فإذا بعرش جلاص ينقض بقضّه و قضيضه على أولاد سعيد فيهزمهم شر هزيمة. فما كان من عروش السواسي والمثاليث و بني زيد إلاّ أن جمعوا خمسة آلاف فارس للأخذ بثأر أولاد سعيد والإنتقام من قبيلة جلاص وأنصارهم من الهـْمامـّة.

وكان المثاليث مستعدون لإعلان الطاعة للباي إذا تركهم ينهبون صفاقس دون أن يخشوا عقابا. وسكان المدن من جهة أخرى وخاصة الأغنياء أصبحوا يريدون الإنصياع للباي بشرط أن يساندهم في قمع سكان الأرياف اللذين دائما ما أقلقوا راحتهم. وهكذا أصبحت الثورة فوضى عارمة أصبح كل طرف فيها يريد التحالف مع الباي.

وأملى الثوار على أنفسهم جملة من التدابير لإنهاء الثورة وهي إعلان العفو العام والشامل لكل من شارك في العصيان وخفض أداء العشر لنصف مقداره وتسمية عمال من أبناء البلد عوض المماليك أي العبيد اللذين يؤتى بهم من أوربا الشرقية بعد تعليمهم. وإبطال العمل بالدستور وإلغاء المحاكم اللتي انتصبت سنة 1861 إلغاءا نهائيا.

وفي هذه الفترة كان الباي يحضر لتشكيل جيش. لكن المجندين القدم رفضوا الإنظمام لقاء الأجر الزهيد أما المجندون الجدد فكانوا يلوذون بالفرار مدججين بأسلحة الباي فلم يكن تحصيل شيء خاصة من منطقة الساحل اللتي كانت تساهم بالعدد الأوفر من الحصة العسكرية. والألوية الثالثة والرابعة فرت عن بكرة أبيها حسبما قال الكميدان ريتشي  لم يبقى للباي سوى ألفي جندي.

وفي أواخر جوان استطاع الباي تجميع أربعة ألاف جندي من العسكر غير النظامي يقودهم صهر الباي الجنرال اسماعيل السنّسي إلا أن هذه المحلّة ذهبت كأمس الدابر جراء الفرار. وأكد دوبوفال في رسالة موجهة إلى دوروين دولوي في 23 جويلية 1864 أن المحلة لم تستطع اجتياز 13 ميلا غرب الحاضرة تونس فانخفض عددها من 4000 إلى 2000 فلم تعد تشكل تهديدا لأحد. بيد أن السنسي صار ببطء إلى ان وصل الى باجة في أواخر جويلية لكن بعد أن عانى الأمريـْن من الثوار اللذين نهبوا قوافل هذه المحلة. غير أن بن غذاهم الذي أحس بأفول نجمه لم يرفض الآمان الذي عرض عليه فاهتم بجني عدة منافع له و لذويه.

ففي 26 جويلية 1864 حضر أربعمائة من المشائخ والأعيان لتقديم فروض الطاعة بإسم 14 عرشا من عروش الشمال الغربي مشترطين فقط خفض المجبى لعشرة ريالات وحط النصف من أداء العشر. أما بن غذاهم فطلب لنفسه هنشيرا كبيرا إسمه هنشير الروحية ولأخيه عبد النبي على عمل ماجر ولأتباعه تسميتهم كمشائخ على رأس عدة عروش.

وقد بادر إلياس مصلي بـإعلان دوبوفال قنصل فرنسا يوم 28 جويلية 1864 أن أربعة عشر عرشا جنحت للسلام وأن بن غذاهم انقلب إلى أهله في ماجر. بيد أن القنصل لم يشأ أن يصدق الأنباء وأخبر دوروين دولوي أن الثورة مازالت في عنفوانها وأن صفوفهم التحمت وبن غذاهم اللتي اتهمته حكومة الباي ببيع ذمته ما زال على رأس الثوار والدليل هو اهتمامه بعقد اجتماع في القيروان مع ثلة من قادة العروش. إلا أن سفيرا أنڨلترا وإيطاليا أعلنا انتهاء الثورة.

لكن خزنه دار لم يهنأ له بال إلا إذا أدب الثوار فتوجه نحو الساحل لجمع محلة إلا أن العسكر القدامى تجمعوا في الحاضرة معلنين غضبهم فرجع خزنه دار لتونس فجمع منها ومن ضواحيها جماعة من الرعاع وأسماهم عسكر زواوة. وكان سكان العاصمة يتوقعون من كل شر ويخافون من سلوكهم العنيف. وكانت المحلة تتكون من 2600 رجلتساندها ثمانية مدافع تحت قيادة الجنرال أحمد زروق الذي هو صنيعة خزنه دار. فأخذت بالسير ببطء منذ أوائل سبتمبر نحو سوسة حتى أنها قضت قرابة الشهر لتسلك المسافة بين حمام الأنف وهرڨلة رغم أنها لا تزيد عن التسعين ميلا. ولم تواجه قتالا طوال هذه المدة.

بيد أن قدوم المحلة زاد الطين بلة فـانظم أهالي القرى الى الثوار ومن جملتهم المساكنية اللذين هجموا على سوسة فأطلق عليهم النار وقذائف المدافع. وكان الثوار يسدون الحنايا اللتي تأتي لسوسة بالماء ويضربون السور كل ليلة ومن حين لآخر تطلق عليهم قذيفة مدفعية تبدد جموعهم. ولم يمنع الحصار خروج السكان لقضاء مآربهم و دام الحال 15 يوما فملّ الجانبان من هذه الحرب الضيقة فـتوحد أهالي القرى الكائنة بمنطقة الساحل وتركوا الشجارات خلفهم إثر شعورهم بقرب قدوم المحلة. وانتهز عرش جلاص المنتمي للحزب الحسيني الفرصة ليجتاح القرى الموالية لمساكن القرية تلوى الأخرى بينما استنجدت هذه الأخيرة بالمثاليث للتنكيل بأهل القلعة الكبرى اللذين أبوا الانضمام للثورة.

وليحمي الجنرال زروق القلعة الكبرى خرج من هرڨلة يوم 5 أكتوبر فما لبث أسبوعا حتى تصادم مع جماعة من القلعة الصغرى فهزمهم دون عناء و لحق بهم إلى قريتهم فأمسكهم وأباح نهب القرية بعد أن افتكها عنوة. ومع أن شـِقّ العـُصاة المناصر لتلك القرية يعد 5000 مقاتل ولديه بعض قطع المدفعية إلى أن الجنرال زروق لم يشأ في النزال. وذلك لأن المساكنية أسرعوا إلى قريتهم لحمايتهم مبجلينها على حلفائهم. ومن الغد أقبل الجميع وحدانا وزرافات طالبين للأمان واقتدت بهم عدة قرى. وأمكن للجنرال زروق دخول سوسة دخول الفاتحين الغزاة يجر ورائه أسراه مكبلين بالسلاسل و الأغلال وجاب كامل المنطقة فنزع السلاح بالقوة وتجبر على العزل ونفذ جرائمه المشهورة.

وبعد سقوط منطقة الساحل فلقد بدأ الباي بحملة الزجر لإرجاع الأمور إلى نصابها فظلت هذه الحملة مدة فصل الخريف وجانبا من الشتاء بين 1864-1865. فبعث الباي محلة بها 4000 آلاف جندي وذلك لأن علي بن غذاهم أراد إشعال الثورة من جديد فجمع عددا كبيرا من انصاره من عددة عروش يناهز عددهم 4000 مقاتل وهاجموا عرش جلاص اللذي استنجد بالباي. ورغم إعلان العفو عن الثوار إلاّ أن بن دحر وهو قائد رياح سلمه أحد شيوخ الزوايا فضربه حرس الباي بعصا ألف مرة، نساء القصر تنظرن إليه من الشرفات و تظهرن الشماتة له ومن ثم ألقي في السجن شبه حي.

وفي أوائل جانفي دارت معركة قرب تبسة بين أنصار علي بن غذاهم وقوات محلتيـْن اندمجتا ببعضهما منظمة اليهم قبيلة جلاص اللتي تريد الأخذ بثأرها. لكن الثوار دخلوا إلى التراب الجزائري آمنين؛ وأما قوات الباي فمنعتها القوات الفرنسية من الدخول .

وبإذن من الجنرال د يماك ماهون فرضت الإقامة على بن غذاهم وأخيه عبد النبي مع عائلتهما أولا بقسنطينة ثم في قبيلة أولاد عبد النور اللتي لبثوا فيها حتى 1866. فيما كان قائد المحلة المسمى الجنرال رستم ينفذ عملياته العسكرية في غرب البلاد و يحكم بالإعدام على العصاة ويصادر المكاسب. فقد أذاق الجنرال زروق سكان الساحل ألوانا من العذاب لازال يذكرها سكان المنطقة إلى يومنا هذا منها الضرب المبرح بالعصيوالإعدام والتقييد بالسلاسل والأغلال. وفرض هذا الجنرال غرامات فادحة لا تفرضها حكومة على رعاياها بل يفرضها الغالب على المغلوب في الحرب. جنى موظفو الدولة من جهة الساحل 5 ملايين ريال وضعوها في جيوبهم و 23 مليون ريال لخزينة الدولة. فطهّر الجنرال زروق المنطقة فأقفرت وجفت مواردها فمن أسرف في الحلب حلب الدماء. وفرض على المرابين اليهود الساكنين في تلك المدن والقرى أن يقرضوا المدانين الأموال بفائض يتجاوز 40 بالمائةمثلا في قرية بومرداس في وطن المنستير اللتي لا تظم سوى 68 من المطلوبين بالمجبى فرضت عليها غرامة حربية تقدر بمائة ألف ريال. وقد زاد الربا اليهودي جهة الساحل خرابا على خراب. وفي شهر أفريل سنة 1865 بعث 300 من الشيوخ والأعيان وفي رقابهم السلاسل وعذبوا في القصر كالعادة أمام النساء.

ولكن في جويلية من 1865 استأنفت الاشتباكات بحدة أكبر من ذي قبل وأحرق الثائرون 25 غابة على الحدود التونسية الجزائرية. ولكن الحكومة التونسية لم تتخذ أي إجراء واتهم كاهية الكاف سي صالح بن محمد فرنسا بإثارة الشغب. كانت حكومة الباي وقتها تمقت فرنسا وبدأت معها في سياسة الوخز فأطلقت يد العصاة على الجالية الفرنسية ولم تعوض الفرنسيين عن الأذى الحاصل لهم في محاولة يائسة للحد من النفوذ الفرنسي وتقليص تدويل القضية التونسية. ولكن بعد إرسال التهديدات للباي باحتلال الإيالة تراجع هذا الأخير ودفع 400 ألف فرنك لتعويض الفرنسيين في الثورة فـسلـّمت الحكومة الفرنسية علي بن غذاهم في فيفري من سنة 1866 ومات بسجن حلق الوادي في 10 أكتوبر سنة 1867.

نشرها محمـّد السبوعي بالفايسبوك

قراءة 3621 مرات

رياضة وطنية

رياضة عالمية

ثقافة و فنون